السيد كمال الحيدري

180

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

4 في النصّ إشارة مكتنزة إلى أنّ القدر والقضاء يوجبان الاختيار الإنسانى ويجعلانه ضروريّاً ، لا أنّهما يسلبان الإنسان اختياره وقدرته على الفعل ، ويحرمانه تأثير فعله في صنع مصيره ، كما توحى بذلك القراءات الخاطئة والتفسيرات المنحرفة للمقولة . حلّ الإشكالية من خلال ما مرّ من مساهمات الفكر الإسلامي ، وفى ضوء المعالم التي رسمتها لنظرية التفسير يمكن العبور إلى معالجة الإشكالية المثارة . فبعد وضع القدر والقضاء في نطاق نظام السببية العام وتفسيرهما على أساس انبساط مبدأ العلّية والمعلولية في العالم ، ومقاربتهما بالسنن والنواميس الجارية في نظام الوجود وعالم الخليقة الإنسانية ، لا معنى للتعارض بين الإيمان بهما كعقيدة راسخة لا مناص عنها وبين الإرادة والاختيار الإنسانى . توضيحه : أنّ الاختيار الإنسانى هو بنفسه جزء من أجزاء هذا العالم يسرى فيه القدر والقضاء ، ومن ثمّ هو مشمول بنظام السببية العام وبسنن الله ونواميسه . ففعل الإنسان لا يقع خارجاً إلّا إذا اختاره الإنسان وأراده . إذن الفعل الإنسانى ومن ورائه الإرادة والاختيار اللذان ينتجانه لا يتصادم مع الإيمان بعقيدة القدر والقضاء ، لأنّه يندرج في إطار مبدأ السببية ونظام السنن . على أنّ إثبات فاعلية الإنسان هنا من خلال الدور الذي تنهض به إرادته واختياره لا يتعارض مع الإرادة والمشيئة الإلهيّة ، حيث قوله سبحانه : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ « 1 » ، لأنّ المشيئة الإلهية تتحرّك ضمن قانون القدر والقضاء ؛ أي ضمن قانون الأسباب والمسبّبات ومن خلال مبدأ السنن الإلهية والنواميس الربّانية المودعة في الوجود والحياة . أكثر من ذلك ،

--> ( 1 ) التكوير : 29 .